البغوي
72
شرح السنة
قَالَ الإِمَامُ : وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُبَدِّلَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ ، وَيَأْخُذَ فَضْلا ، فَلا يَجُوزُ حَتَّى يَبِيعَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، وَيَقْبِضُ مَا اشْتَرَاهُ ، ثُمَّ يَبِيعُهُ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا دُفِعَ إِلَيْهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَلا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ إِلَى أَجَلٍ ، وَيَشْتَرِيَهَا مِنَ الْمُشْتَرِي بِأَقَلَّ بِنَقْدٍ وَعَرْضٍ إِلَى أَجَلٍ . وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ ، أَوْ بِأَطْوَلَ مِنْ أَجَلِهِ لَا يَجُوزُ ، وَكَرِهَ هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ . وَيُسَمَّى هَذَا عِينَةُ مِنَ الْعَيْنِ ، وَالْعَيْنُ : الْمَالُ الْحَاضِرُ ، فَالْمُشْتَرِي يَشْتَرِي السِّلْعَةَ لِيَبِيعَهَا بِمَالٍ حَاضِرٍ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ فَوْرِهِ . وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ بِأَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ عَائِشَةَ ، فَسَأَلَتْهَا عَنْ عَبْدٍ بَاعَتْهُ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بَثَمَانِ مِائَةٍ نَسِيئَةً إِلَى الْعَطَاءِ ، ثُمَّ اشْتَرَتْهُ مِنْهُ بِسِتِّ مِائَةٍ نَقْدًا ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : بِئْسَ مَا اشْتَرَيْتِ ، وَبِئْسَ مَا ابْتَعْتِ ، أَخْبِرِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا أَنْ يَتُوبَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا ، فَقَدْ تَكُونُ عَائِشَةُ عَابَتِ الْبَيْعَ إِلَى الْعَطَاءِ ، لأَنَّهُ أَجَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، ثُمَّ قَالَ : وَزَيْدٌ صَحَابِيٌّ ، وَإِذَا اخْتَلَفُوا ، فَمَذْهَبُنَا الْقِيَاسُ ، وَهُوَ مَعَ زَيْدٍ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ يَبِيعُ الْجَارِيَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ إِلَى أَبْعَدِ مِنْ ذَلِكَ الأَجَلِ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ ، وَقَالَ : لأَنَّ سِلْعَتَهُ رَجَعَتْ إِلَيْهِ بِعَيْنِهَا ، وَصَارَ كَأَنَّهُ بَاعَ مِائَةً بِأَكْثَرَ إِلَى أَجَلٍ . قَالَ الإِمَامُ : وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ جَائِزٌ .